يتم التشغيل بواسطة Blogger.

حجاب المراة في الديانة اليهودية

 حجاب المراة في الديانة اليهودية 

عندما نتكلم عن مكانة المرأة في الديانات السماوية الثلاث اليهودية والمسيحية والإسلام؛ سيطول بنا الحديث كثيراً ، وهذا ما لا يتسع له المقام هنا، ومن المؤكد أن الديانات السماوية تتشابه فيها بعض التشريعات الخاصة بالمرأة، وهناك كذلك مجموعة أخرى من التشريعات التي تختلف من ديانة إلى أخرى، وتتفاوت في بعض الحدود والأنماط.

إذا كان الإسلام هو الدين الوحيد الذي تنتشر فيه ظاهرة حجاب المرأة على نطاق واسع؛ فذلك لا يعنى أنه الدين الوحيد الذي فُرض فيه على النساء ارتداء الحجاب، فاليهودية – قبل المسيحية والإسلام- قد وضعت تشريعات دينية تفرض على المرأة ارتداء غطاء رأس يستر شعرها ، وهو – وفقًا للشريعة اليهودية- من المفاتن أو العورات التي من شأنها أن تثير الرجال من وجهة النظر اليهودية ، ومن ثم تقع الغواية والفتنة.

من خلال البحث في بعض المصادر الدينية كالعهد القديم والتلمود، وكذلك عرض للفتاوى المختلفة للحاخامات؛ أتناول بدراسة موجزة لتشريع غطاء المراة . 

كانت المرأة اليهودية حتى القرن التاسع عشر ترتدي غطاءً للرأس تعبيراً عن احترامها، ورقى مكانتها الاجتماعية، وهو ما دعا بعض النساء من الطبقات المتوسطة أو الأقل شأناً في المجتمع إلى ارتداء حجاب فوق الرأس ليظهرن في مستوى أرقى مما هن عليه، ولذلك فقد كان ارتداء غطاء الرأس ممنوعاً على العاهرات من نساء اليهود .

هذا لا يعنى أن غطاء الرأس كان مجرد عادة، أو من أجل التزين أو التفريق بين طبقات المجتمع، لكنه في الأساس فرض واجب الأداء في الديانة اليهودية، طبقاً لما شدد عليه أغلب حاخامات اليهود، وإذا قلنا أنه فرض ديني؛ فبالتالي سيكون الحديث مُنصباً على أحكام الحجاب لدى اليهود المتدينين الأصوليين، أو بالتحديد اليهود الحريديم ، فهذه الطائفة من اليهود تؤمن إيماناً شديداً بالتوراة، وتعتبر أنها كلام الله، وكذلك تؤمن بالأقوال الشفوية لكبار الحاخامات اليهود، وتعتبر أن كل الشرائع اليهودية ملزمة ويجب العمل بها، دون التفريق بين العقائد والطقوس.
لقد جاء في العهد القديم ما يفيد بأن شعر المرأة زينتها، وأحد منابع الفتنة في جسدها، فنقرأ ما جاء في سفر نشيد الأناشيد حيث يغازل العريس عروسه بقوله:
" رأسكِ عليكِ مثل الكرمل وشعر رأسك كأرجوان" ( نشيد الأناشيد 7/ 5) .
وإذا كانت الشريعة اليهودية قد أمرت المرأة بتغطية شعرها؛ فذلك لأنه اعتُبر وسيلة تجلب الشرور إلى العالم ، وتغطية الشعر واجب تنفيذاً لشريعة أكد عليها الحاخامات وهى شريعة الاحتشام أو العفة.
ويمكننا أن نجد إشارات لغطاء رأس المرأة في العهد القديم ، لكونه مقياساً لشرفها ،فيطالعنا سفر التكوين في موضعين مختلفين على نمط غطاء الرأس الكامل الذي يجب أن ترتديه المرأة، وليس مجرد غطاء لرأسها، بل حجاب شامل يستر شعرها ووجهها تماماً، وهو ما يتطابق مع النقاب الذي ترتديه الكثير من النساء المسلمات ، فجاء في سفر التكوين عن رفقة التي ستصير زوجة إسحاق بعد ذلك:
" ورفعت رفقة عينيها فرأت إسحاق فنزلت عن الجمل، وقالت للعبد: من هذا الرجل الذي يمشى في الحقل للقائنا؟ فقال العبد: هو سيدي، فأخذت البرقع وتغطت" ( تكوين 24/ 64-65) .
فقد ورد في النص العبري للعهد القديم كلمة " צעיף " أي برقع أو حجاب، ونفس المعنى عبرت عنه فقرة أخرى في نفس السفر، حيث جاء فيها:
" فأُخبرت تامار وقيل لها هوذا حموك صاعد إلى تمنة ليجز غنمه، فخلعت عنها ثياب ترملها، وتغطت ببرقع وتلففت" (تكوين 38/ 13-14).

فالمقصود بالبرقع في الفقرتين السابقتين –وفقاً لمعنى الكلمة في العبرية- هو حجاب كامل يغطى الرأس والوجه، فلا يُرى من المرأة شيء ، كما ورد كذلك أن المرأة لا تخلع غطاء رأسها إلا إذا كانت خائنة لزوجها أو مُتَهمة بالخيانة ، وفى هذه الحالة يكشف كاهن المعبد عن شعرها ووجهها كما جاء في سفر العدد:
" ويوقف الكاهن المرأة أمام الرب، ويكشف رأس المرأة"( 5/18)
وهذه الفقرة تحديدا اختلفت المصادر الدينية اليهودية بعد العهد القديم حول تفسيرها، فقد رأى بعض الحاخامات أن فعل: פָרַע جاء في الفقرة بمعنى كشف، أي كشف رأسها تمامًا، وأفتى آخرون أنه جاء بمعنى: أرخى الغطاء عن رأسها .

مما سبق نلمس إشارات لارتداء المرأة اليهودية الحجاب، لكن دون الأمر بذلك صراحة، غير أن حاخامات المشنا أمروا بذلك بشكل قاطع، واعتبروا أن تغطية المرأة اليهودية لشعرها فريضة واجبة التنفيذ، والمرأة التي لا تؤدي هذه الفريضة قد وجد زوجها مبرراً قوياً ومقبولاً يجعله يطلقه دون أن يضطر لتعويضها مادياً .

ولذلك فقد أفتى حاخامات اليهود الربانيين في التلمود أن تغطى المرأة رأسها ووجهها تماماً، ولا يترك منهما إلا عين واحدة فقط، وشدد على ذلك الحبر اليهودي المعروف "موسى بن ميمون"  بتأكيده على أنه لا يجوز للمرأة أن تمشى في الشارع أو حتى في فناء منزلها وهى حاسرة الرأس تماماً، بل يجب عليها أن تغطى رأسها بمنديل على الأقل، بل وقال "ابن ميمون" أيضاً أن الرجل الذي يترك امرأته حاسرة الرأس هو ملعون، وأن المرأة التي تكشف عن شعرها عند خروجها من منزلها تكون بذلك قد خرجت عن ديانتها اليهودية، بل أنها كذلك تجلب الفاقة لأهلها، ليس هذا فحسب بل كان مُحرماً إلقاء الأدعية وصلاة "قراءة اسمع" في وجود امرأة متزوجة حاسرة الرأس، أو في حالة سماع صوتها، وذلك لاعتبار شعر المرأة وصوتها عورتين يجب تغطيتهما ً.

والمغزى من ذلك أن تكون المرأة محتشمة، ويقصد بالاحتشام هنا أن تستر جسدها كي لا يغرى من ينظر إليها من الرجال، كذلك ترتدي ملابس غير لافتة للنظر ، فالمرأة في نظر الشريعة اليهودية قد خُلقت لتساعد الرجل لا أن تكون عائقاً أمامه، ولذلك يعتبر الحاخامات أن المرأة غير المحتشمة بمثابة خطر على المجتمع اليهودي بأسره.

لا يعنى ما سبق أن أحكام غطاء رأس المرأة قد ظلت بهذا القدر من الغُلو والتشدد، فرويداً رويداً انحسر التشدد في أمر الحجاب، ليقتصر أخيراً على المرأة المتزوجة، أما الفتاة التي لم تتزوج بعد فلا إثم عليها إذا خرجت من بيتها حاسرة الرأس ، وقد كان من المألوف أن ترتدي الفتاة من يهود الشرق غطاءً للرأس، وهو أمر كان شائعاً في أوساط يهود شمال أفريقيا واليمن، وكذلك يهود الفلاشا  ، أما الآن فالفتاة المتدينة التي لم تتزوج بعد لها رخصة الخروج إلى الشارع برأس مكشوفة، ربما من باب الترغيب فيها، والتوضيح أنها لم تتزوج بعد.

وقد تفاوتت آراء الحاخامات حول غطاء الرأس للمرأة اليهودية، سواء بالنسبة للونه أو نوع القماش المصنوع منه أو طوله ومقدار الشعر الذي يسمح أن يظهر منه، فبعد أن تسلل التحرر رويداً رويداً إلى أوساط اليهود المتدينين، استبدلت معظم النساء غطاء الرأس الكامل بمنديل يغطى جزءاً من الرأس، وكان محرماً على المرأة أن ترتدي منديلاً أسود اللون على رأسها، فذلك من شأنه أن يوحى للناظر إليها من بعيد أن شعرها أسود مكشوف، وكان ارتداء المنديل مقصوراً على المتزوجات من النساء المتدينات، ولكن بعض الفتيات اللاتي لم يتزوجن بعد قد اتخذنه رداء لرؤؤسهن لدواعي الموضة، مع ارتداء باروكة أو بدونها، بل واستخدمن في تطريز المنديل خيوطاً ذهبية لامعة .

ولكن الأصوليين من اليهود قد وجهوا حملات شديدة ضد هذا النوع من التحرر في حجاب المرأة، وصل الأمر بهم إلى تحريف كلمة "موضة" بحروفها العبرية " מודה"إلى كلمة "מאד ע" وهى اختصار لأربع كلمات عبرية تعني : مساكين، مُعدمين، مُعوزين، فقراء ، وهى صفات أربعة أطلقت على الرجال الذين يسمحون لنسائهم بالخروج دون حجاب الرأس الكامل الذي تشرعه اليهودية .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المقالات الاكثر مشاهدة

جميع الحقوق محفوظة معلومات عامة

تصميم : أبوهلال بدر